لا على الوحدة نخشى، ولا عليها نخاف، فالغربان مهما علا نعيقها فإنه يغيب وسط أسراب الطيور المغردة، وزبد البحر يذهب جفاء، ويستحيل رغوة تسكن الشطآن مهما كانت قوة الأمواج، ومهما علا هديرها، والأصوات الخارجة عن إجماع الأمة تبقى نشازا مهما علا صراخها، ولا تستطيع النيل من بنيان الوطن مهما حاولت فعل ذلك، ولا تقوى على التأثير على ما استقر في قلوب السواد الأعظم من أبناء هذا الوطن مهما دفعت إلى ذلك، أو دفعت من أجله!. فللوحدة شعب يحميها، وجيش بالنَفَس والنَفِيس يفديها، ورعاية المولى فوق كل ذلك تبارك كل عمل ينشد خير الأمة، ويعمل من أجل المحافظة على وحدتها واستقرارها في زمن الفرقة والتشتت والانقسام، والنصر المؤزر وعد حق على كل خارج يسعى من أجل فرقة الأمة وتفريقها. إذا؛ فمم الخشية؟ وعلى من تكون؟
بالأمس كان للديمقراطية عدو واحد، يعرفه الجميع، ويعمل الكل على اتقاء شره، فالخوف على الديمقراطية كان ببساطة يأتي من أعداء الحرية، وأنصار الديكتاتورية، ودعاتها مهما تعددت أسماؤها، وتلونت مسمياتها.
أما اليوم فلم يعد مصدر الخطر يأتي من جهة واحدة، ولا هو منحصر على هؤلاء فقط، وإنما أضيف إليهم من هم أشد خطرا على الديمقراطية، وأقوى فتكا بها، من أدعياء الديمقراطية، ومن ينشد للحرية، ويتغنى بها، ومن يمارسون التخريب بكل أشكاله وأنواعه تحت دعاوى حق الرأي والتعبير، ومن ثم فلم تعد الاشكالية تتمثل فقط في المصطلح، وإنما تتجاوز هذا إلى السلوك الذي يسيء أصحابه من حيث يعلمون ولا يعلمون، ويفتٌّون في عضد الجسد الواحد من حيث يقصدون ولا يقصدون، وهنا يتضاعف وقع الخطر على الديمقراطية والحرية، ومن ثم على الأمة بأسرها، وعلى الوطن بكامله حين يأتي من الجبهة الداخلية، أو ممن يمارس هذا بالتفويض غير الشرعي، أو بالوكالة غير المشروعة، فدرء ضرر العدو المعروف أسهل بكثير من ذلك الذي يأتي من الأخ القريب، أو من الصديق البعيد.
الخوف على هامش الحرية التي يعمل أعداؤها اليوم على تآكلها، ويدفعون بكل ما أوتوا من قوة إلى أكلها، وذلك لسبب بسيط وجوهري، وهو أن التجربة الديمقراطية اليمنية تقع في الأساس ضمن واحدة من التجارب القليلة جدا في المنطقة العربية، ودول الجزيرة العربية على وجه الخصوص، ومن ثم فإن أي انتكاسة -لا قدر الله- لهذه التجربة فإن ضررها لا يقع على اليمن بمفرده، وإن ما سيلحق المنطقة بأسرها، وسيعزز من تلك الدعاوى التي تذهب إلى أن الديمقراطية لا تصلح للمنطقة العربية، ولا يمكن أن تصلحها، وقدرها الوحيد أنماط من الحكم التي عرفوها عبر مراحل طويلة من التاريخ، حتى لقد ألفوها، وتآلفوا معها، ومن ثم فإن هبوب رياح الديمقراطية على المنطقة العربية يمكن أن يصيبها باختلال في بنيتها، أما التحول الدراماتيكي فهو بمثابة زلزال يهدد كيانها الأساسي، وينال من وجودها في الصميم.
وعليه فإن الردة عن الديمقراطية في اليمن -لا قدر الله- يجعل التحول إلى هذا النظام في يوم من الأيام بالنسبة للمواطن العربي مجرد حلم يظل يراوده ويريده، ولكنه لا يستطيع أن يطوله، كما يصادر حلم الكثيرين من أبناء الوطن العربي في العيش أوطان حرة تنعم بالتعايش السلمي، وقبول الآخر في ظلال حياة ديمقراطية حقيقية، تتجاوز مجرد كونها هامشا لا يقوي على الوصول إلى المتن في يوم من الأيام، وحالة يمكن أن تختفي في أي لحظة.
أما الشعور بهذه المخاوف فترجع إلى أن المنطقة العربية تشهد عبر سنواتها الماضية وحتى اليوم انتكاسات خطيرة في تحولاتها الديمقراطية، وهامش الحرية الذي تعيشه، صحيح أن أسبابها تتفاوت ما بين دولة وأخرى، لكن محصلتها النهائية واحدة، وهي تكاد تقول: إن بين هذه المنطقة وبين الديمقراطية حالة من القطيعة التي لا يعمل أبناؤها على تجاوزها، ولا يريدون التغلب عليها، بل إن الهدم يأتي من الداخل، أو بأدوات منه.
نحن في اليمن اليوم نقف على مشارف عقدين من الزمن منذ أن اختارت البلاد التعددية السياسية، ومن ثم فإن في هذه الفترة ما يكفي للخروج من حالة التجاذب الضار، إلى ممارسة ديمقراطية رشيدة، تجعلنا نفتخر بها، غير أن كثيرا من الممارسات تجعل الديمقراطية تتوارى خجلا من فرط ما يحدث باسمها، ومن ثم فعلينا أن نحسم خياراتنا هل نريد ديمقراطية قرينتها المسئولية، أم أن الديمقراطية لا تعدو أن تكون بالنسبة للبعض مطية لتحقيق أغراض معينة، ولا أكثر من ذلك، علينا أن نحسم خياراتنا، فالإرادة السيادية لهذا التحول قد تحققت منذ أن تم ذلك الاختيار، وتم تعميده بوسائل شتى في مراحل مختلفة من تاريخ النضال الوطني، لكن ما لم يتحقق حتى اليوم هو الإرادة الشعبية التي لا يمكن لأي نظام ديمقراطي أن يستمر في غيابها.
أما وحدة الوطن، والعيش الآمن في ظلاله فهما من الثوابت التي لا يمكن لأحد أن يتنازل عنهما، في حين يمكن التنازل عن كل ما عداهما، ومن أجل تحقيق ذلك فإن جميع الأبواب تظل مفتوحة، وكل الخيارات تبقى واردة، لأن للديمقراطية أنياب كما كان يقول زعيم عربي.
وقى الله الوطن، وكل الخيرين فيه من مخالب الديمقراطية، وجنبهم شرور المخربين باسمها وبكل المسميات الأخرى.
لاتستطيع وضع مواضيع جديدة في هذا المنتدى لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى لا تستطيع تعديل مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع الغاء مواضيعك في هذا المنتدى لاتستطيع التصويت في هذا المنتدى