بسم الله الرحمن الرحيم
** النظرية البنائية الوظيفية:-
- بناء: الطريقة التي تنظم بها الأنشطة المتكررة في المجتمع.
- الوظيفية: مساهمة شكل معين من الأنشطة المتكررة في الحفاظ على استقرار وتوازن المجتمع.
- بداية النظرية: نشأت في الغرب، وتقوم على ما ورد في الفكر اليوناني ((ان المجتمع شبيه في نشاطه بجسم الإنسان)).
- أفلاطون يقر بان المجتمع شبيه بالكائن العضوي.
- المجتمع والكائن العضوي كلاهما يمثل نظام.
- أعضاء المجتمع: أفراده + المؤسسات بمختلف مجالاتها
☻روبرت ميرتون لخص العملية البنائية الوظيفية للمجتمع فيما يلي:
1- اعتبار المجتمع نظام لأجزاء مترابطة.
2- يميل المجتمع الى حالة التوازن الديناميكي.
3- الأنشطة المتكررة في المجتمع تساهم في استقراره.
4- بعض الأنشطة المتكررة في المجتمع لاغنى عنها في استمرار وجوده.
النظرية البنائية الوظيفية :
في الحقيقة أن فكرة البناء الاجتماعي ليست فكرة حديثة العهد بل أنها تمتد إلى منتصف القرن التاسع عشر عندما ظهرت في كتابات " مونتسكيو " وحينها ، ظهرت فكرة النسق الاجتماعي على أساس أن مظاهر الحياة الاجتماعية تؤلف فيما بينها وحدة متماسكة متسقة وذلك عندما تحدث مونتسكيو عن القانون وعلاقته بالتركيب السياسي والاقتصادي والدين والمناخ وحجم السكان والعادات والتقاليد وغيرها مما يشكل في جوهره فكرة البناء الاجتماعي ([11]) . ثم ظهرت البنائية والوظيفية بصورة واضحة بشكل علمي في كتابات هربرت سبنسر في مجال تشبيه المجتمع بالكائن العضوي . فكان سبنسر يؤكد دائماً وجود التساند الوظيفي والاعتماد المتبادل بين نظم المجتمع في كل مرحلة من مراحل التطور الاجتماعي.
والغاية التي كان يهدف إليها هي إيجاد حالة من التوازن تساعد المجتمع على الاستمرار في الوجود . وكان سبنسر أيضاً يتصور المجتمع على أنه جزء من النظام الطبيعي للكون وأنه يدخل في تركيبه ولذا يمكن تصوره كبناء له كيان متماسك ([12]).
وبلغت الفكرة الوظيفية ذروتها في تفكير اميل ديركايم وبخاصة في مواجهة موضوع الحقائق الاجتماعية التي تمتاز بعموميتها وقدرتها على الانتقال من جيل لآخر وقدرتها على فرض نفسها على المجتمع . والنظم الموجودة في المجتمع من سياسية واقتصادية وقانونية وغيرها تؤلف بناء له درجة معينه من الثبات والاستمرار ([13]).
وقد تبنى الكثير من علماء الانثروبولوجيا هذه النظرية وأشهرهم راد كليف براون. فهو يرى أن البناء يتألف من كائنات إنسانية وأن كلمة " بناء " تشير بالضرورة إلى وجود نوع من التنسيق والترتيب بين " الأجزاء " التي تدخل في تكوين " الكل " الذي نسميه " بناء " وكذلك يوجد روابط معينة تقوم بين هذه " الأجزاء " التي تؤلف " الكل " وتجعل منه بناء متماسك متمايز . وبمقتضى هذا الفهم تكون "الوحدات الجزئية " الداخلة في تكوين " البناء الاجتماعي " هي " الأشخاص " أي أعضاء المجتمع الذي يحتل كل منهم مركزاً معيناً ويؤدي دوراً محدداً في الحياة الاجتماعية .
فالفرد لا يعتبر جزءاً مكوناً في البناء ولكن أعضاء المجتمع من حيث هم " أشخاص " يدخلون كوحدات في هذا البناء ويدخلون في شبكة معقدة من العلاقات . فرادكليف براون يستخدم مفهوم البناء الاجتماعي بمعنى واسع لأنه يدخل فيه كل العلاقات الثنائية التي تقوم بين شخص وآخر مثل العلاقة بين الأب والابن أو العلاقة بين الشعب والدولة وغيرها([14]).
ولكن ايفانز برتشارد يقف موقف المعارضة من رادكليف براون ويرى أن العلاقات الاجتماعية التي تتميز بالثبات والاستقرار هي التي تدخل في البناء واستبعد العلاقات الثنائية التي ذكرها رادكليف براون . فالعلاقة الثنائية علاقة طارئة مؤقته قد تنتهي بموت أحد الطرفين . ويستبعد ايفانز برتشارد ايضا من البناء الزمر الاجتماعية الصغيرة مثل الأسرة التي تتكون من جيلين لأنها لا تلبث أن تختفي كوحدة بنائية متمايزة . أما الذي يدخل في البناء بالنسبة له فهو الجماعات الكبيرة المتماسكة الدائمة كالقبائل والعشائر التي تستمر في الوجود أجيالاً طويلة رغم ما يطرأ على مكوناتها من تغيرات . فالبناء عند ايفانز برتشارد يتألف من العلاقات الدائمة التي تقوم بين جماعات من الأشخاص الذي يرتبطون بعضهم ببعض ارتباطاً وثيقاً منظماً ([15]).
ويرى راد كليف براون كذلك أن البناء الاجتماعي ليس إلا مجموعة من " الأنساق الاجتماعية " والأنساق هي الأجهزة أو النظم التي تتفاعل فيما بينها داخل إطار البناء الكلي الشامل . والنسق عبارة عن عدد من النظم الاجتماعية التي تتشابك وتتضامن فيما بينهما في شكل رتيب منظم . كما أن النظام عبارة عن قاعدة أو عدة قواعد منظمة للسلوك يتفق عليها الأشخاص وتنظمها الجماعة داخل البناء .
ويرى راد كليف براون أن علاقة النظم بالبناء علاقة ذات شطرين :
1 – علاقة النظام بأفراد الجماعة داخل البناء الاجتماعي .
2 – علاقة النظام بسائر النظم الأخرى التي تتعلق بالنسق وبالبناء الاجتماعي .
فمثلاً النسق القرابي يتألف من عدد من النظم المتعلقة به كنظام التوريث والنظام الأبوي والنظام الأموي وهكذا . ومن مجموعة الأنساق القرابية والاقتصادية والسياسية والعقائدية وغيرها يتألف البناء ([16]).
ويميز راد كليف براون بين " الصورة البنائية " و " البناء الواقعي " . فالصورة البنائية هي الصورة العامة أو السوية لعلاقة من العلاقات بعد تجريدها من مختلف الأحداث الجزئية رغم إدخال هذه التغيرات في الاعتبار . أما البناء الواقعي فهو البناء من حيث هو حقيقة شخصية وموجودة بالفعل ويمكن ملاحظتها مباشرة .
والبناء الواقعي يتغير بسرعة واستمرار بعكس الصورة البنائية التي تحتفظ بخصائصها وملامحها الأساسية بدون تغير لفترات طويلة من الزمن وتتمتع بدرجة من الاستقرار والثبات ([17]).
هذا بالنسبة للبناء أما الوظيفة كما ذكرها العلماء الوظيفيون هي الدور الذي يلعبه الجزء في الكل أي النظام في البناء الاجتماعي الشامل . أي أن درجة الاستمرار والاطراد في البناء هي التي تحقق وحدته وكيانه ولا يمكن أن تتم إلا بأداء وظيفة هذا البناء أي الحركة الديناميكية المتمثلة في الدور الذي يلعبه كل نظام أو نسق في داخل البناء . فالوظيفة في البناء هي التي تحقق هذا التساند والتكامل بين أجزائه بحيث يفقد النسق أو البناء الاجتماعي معناه المتكامل لو انتزع من نظام ما ([18]). أما راد كليف براون فيرى أن فكرة الوظيفة التي تطبق على النظم الاجتماعية تقوم على المماثلة بين الحياة الاجتماعية والحياة البيولوجية فالوظيفة هي الدور الذي يؤديه أي نشاط جزئي في النشاط الكلي الذي ينتمي إليه . وهكذا تكون وظيفة أي نظام اجتماعي هي الدور الذي يلعبه في البناء الاجتماعي الذي يتألف من أفراد الناس الذين يرتبطون ببعضهم البعض في كل واحد متماسك عن طريق علاقات اجتماعية محددة ([19]). ومن التعريفات الشهيرة للوظيفة ذلك الذي قدمه ميرتون حيث قال : إنها تلك النتائج أو الآثار التي يمكن ملاحظتها والتي تؤدي إلى تحقيق التكيف والتوافق في نسق معين([20]).
والوظيفة قد تكون ظاهرة أو كامنة أي ليس بالضرورة أن يكون لكل ظاهرة وظيفة أو وظائف واضحة أو مقصودة . ولذلك على الباحث الاجتماعي أن يبحث عنها من خلال تحليل المناشط الاجتماعية . ويعتبر بارسونز مفهوم الوظيفة اساسيا لفهم أي نسق من الأنساق الاجتماعية ، فالوظيفة تمثل النتيجة المنطقية لمفهوم النسق فهي توضح طبيعته وتعمل على تكيفه مع بيئته . ورغم تعدد أراء العلماء حول مفهوم الوظيفية إلا أنهم يجمعون فيما بينهم على بعض القضايا التي تشكل في جملتها الصياغة النظرية للوظيفية في علم الاجتماع وقد حصر " فان دن برج " هذه المفاهيم في سبعة قضايا هي :
1 – النظرة الكلية للمجتمع باعتباره نسقا يحتوي على مجموعة من الأجزاء المتكاملة .
2 – رغم أن التكامل لا يكون تاما على الإطلاق إلا أن الأنساق الاجتماعية تخضع لحالة من التوازن الديناميكي .
4 – أن التوازن والانحرافات والقصور الوظيفي يمكن أن يقوم داخل النسق .
5 – يحدث التغير بصفة تدريجية تلائميه .
6 – يأتي التغير من مصادر ثلاثة تتمثل في تلاؤم النسق وتكيفه والنمو الناتج عن الاختلاف الوظيفي والتجديد والإبداع .
7 – العامل الأساسي في خلق التكامل الاجتماعي يتمثل في الاتفاق على القيم([21]).
هذا باختصار مفهوم النظرية الوظيفية البنائية وقد تم اختيار هذه النظرية لتوجيه البحث لأنها أولا نظرية اجتماعية بحتة وموضوع الهدية يعتبر موضوع اجتماعي بحت . وثانيا لتركيزها على النسق والنظام والوظيفة التي هي عناصر اساسية في دراسة موضوع الهدية .
وتنتمي ظاهرة التهادي إلى نسق التبادل ويعتبر التبادل من المواضيع الأساسية في العلاقات الاقتصادية سواء في المجتمعات البدائية أو في المجتمعات الحديثة . وبما أن التهادي ظاهرة من الظواهر الاجتماعية المنتشرة في جميع المجتمعات تقريبا فهي إذن مهمة لمعرفة جوانب النظام الاقتصادي في أي مجتمع وعلاقة هذا النظام بغيره من الأنظمة . فالهدية تقوم بوظيفة اجتماعية هي توطيد العلاقات الاجتماعية وتكوين الصداقات وتنتمي في الوقت ذاته إلى البناء الاجتماعي الشامل في أي مجتمع . فظاهرة الهدية لا يمكن دراستها منفصله عن باقي النظم الاجتماعية من سياسية ودينية واقتصادية وقرابية وغيرها .
وتبادل الهدايا يتطلب في البداية التهادي بين اثنين وتتسع دائرة هذا التبادل لتشمل المجتمع كله . وكما ذكر أحمد أبو زيد في تحليله لنظام الكولا " أنه على الرغم من كثرة العلاقات الثنائية التي تضم آلاف الناس ، فإن كل هذه العلاقات المتنوعة تنتظم في آخر الأمر في شبكة واحدة من العلاقات والصلات بحيث تؤلف نسيجاً واحداً متماسكاً يضم جميع الذين يبحرون بقواربهم في رحلات منتظمة يقطعون خلالها مئات الأميال للتبادل والتعارف ليس فقط كأفراد بل وفي بعض الأحيان كتجمعات قبلية كبيرة([22]) .
ولذلك كان تبني النظرية الوظيفية وتطبيقها على ظاهرة التهادي من الخطوات المهمة في هذا البحث لأن ظاهرة التهادي تمس جوانب النظرية وخاصة فيما يتعلق بتشعب العلاقات الاجتماعية ووظيفة هذه الظاهرة " التهادي " في حياة الناس في أي مجتمع .
ومن الجدير القول أن الاتجاه الوظيفي " يمكن ان يساعدنا على القاء الضوء على الوظيفة الاجتماعية لظاهرة تبادل الهدايا في تحقيق المزيد من التماسك الاجتماعي وفيما تتمتع به من خاصية الإلزام ([23]). فأي عادة اجتماعية يمارسها الناس بصورة جماعية لابد ان يكون لها وظيفة تقوم بها والا لما وجدت هذه الظاهرة " فالعادات الاجتماعية ولتكن تقديم الهدايا في عيد الام أو للزوجة في المناسبات الاسرية أو لأفراد الأسرة في حالات الزواج له آثار في المجتمع وتتمثل هذه الآثار في تعزيز الترابط بين أفراد المجتمع وتقوية التماسك الاجتماعي . فالأثر الذي تمارسه هذه العادات الاجتماعية ناشيء عن وجود هذه الصور من اشكال السلوك الاجتماعي وهذا الاثر هو الوظيفة التي يؤديها السلوك الاجتماعي في المجتمع([24]) .
_______________
([11]) إسماعيل ، زكي ، محمد ، 1982 ، الانثروبولوجيا والفكر الإنساني ، شركة مكتبات عكاظ للنشر والتوزيع ، جدة ، ص228.
([12]) أبو زيد ، أحمد 1982 ، مرجع سابق ، ص11.
([13]) نفس المرجع ، ص 11.
([14]) نفس المرجع ، ص 14-16.
([15]) نفس المرجع ، ص23-24.
([16]) إسماعيل ، زكي محمد ، 1982 ، مرجع سابق ، ص 235.
([17]) أبو زيد ، أحمد ، 1982 ، مرجع سابق ، ص17-18.
([18]) إسماعيل ، زكي محمد ، مرجع سابق ، ص 240.
([19]) وصفي ، عاطف ، 1977 ، الانثروبولوجيا الاجتماعية ، دار النهضة العربية للطباعة والنشر ، بيروت ، ص 47.
([20]) نيقولا ، تيماشيف ، نظرية علم الاجتماع طبيعتها وتطورها ، ترجمة محمود عودة وآخرون ، دار المعارف ، ص 331.
([21]) شتا ، السيد علي ، 1993 ، نظريات علم الاجتماع ، مؤسسة شباب الجامعة ، ص 304.
([22]) أبو زيد ، أحمد ، مرجع سابق ، ص 248.
([23]) ابراهيم ، فتحية ومصطفى الشنواني ، 1988 ، مدخل إلى مناهج البحث في علم الإنسان " الانثروبولوجيا " دار المريخ للنشر ، الرياض ، ص 26 .
([24]) عرابي ، حكمت 1991 ، النظريات المعاصرة في علم الاجتماع ، ص 122.
يلخص أحد علماء الاجتماع الأفكار الرئيسة التي تعتمد عليها هذه النظرية في ست نقاط هي (23) :
(أ ) يمكن النظر إلى أي شيء، سواء كان كائناً حياً، أو اجتماعياً، أو سواء كان فرداً، أو مجموعة صغيرة، أو تنظيماً رسمياً، أو مجتمعاً، أو حتى العالم بأسره، على أنه نسق أو نظام، وهذا النسق يتألف من عدد من الأجزاء المترابطة، فجسم الإنسان نسق، يتكون من مختلف الأعضاء والأجهزة، وكذلك شخصية الفرد، والمجتمع، والعالم.
(ب ) لكل نسق احتياجات أساسية لا بد من الوفاء بها، وإلا فإن النسق سوف يفني، أو يتغير تغيراً جوهرياً، فكل مجتمع مثلاً يحتاج أساليب لتنظيم السلوك "القانوني"، ومجموعة لرعاية الأطفال "الأسرة"، وهكذا.
(ت ) لا بد أن يكون النسق دائماً في حالة توازن، ولكي يبقى كذلك فلا بد أن تلبي أجزاؤه المختلفة احتياجاته، فإذا اختلت وظيفة أحد الأجزاء فإن الكل يصبح في حالة عدم اتزان.
(ث ) كل جزء من أجزاء النسق قد يكون وظيفياً، أي يسهم في توازن النسق، وقد يكون ضاراً وظيفياً، أي يقلل من توازن النسق، وقد يكون غير وطيفي، أي عديم القيمة بالنسبة للنسق.
(ج ) يمكن تحقيق كل حاجة من حاجات النسق بواسطة عدة متغيرات أو بدائل، فحاجة المجتمع لرعاية الأطفال مثلاً يمكن أن تقوم بها الأسرة، أو دار الحضانة، وحاجة المجتمع إلى التماسك، قد تتحقق عن طريق التمسك بالتقاليد، أو عن طريق الشعور بالتهديد من عدو خارجي.
(ح ) وحدة التحليل يجب أن تكون الأنشطة أو النماذج المتكررة. فالتحليل الاجتماعي الوظيفي، لا يحاول أن يشرح كيف ترعى أسرة معينة أطفالها، ولكنه يهتم بكيفية تحقيق الأسرة كنظام لهذا الهدف. وهدف التفسير الوظيفي، هو الكشف عن كيفية إسهام أجزاء النسق في تحقيق النسق ككل، لاستمراريته، أو في الإضرار بهذه الاستمرارية (24). وقد سميت هذه النظرية بالبنائية الوظيفية لأنها تحاول فهم المجتمع في ضوء البنيات التي يتكون منها، والوظائف التي تؤديها هذه البنيات (25).
توجد ثلاث اتجاهات للنظريات الاجتماعية في علم الاجتماع:
1. الاتجاه البنائي الوظيفي :
والعلماء على قسمين :
- علماء كلاسيكيين.
- علماء معاصرين أو محدثين.
2. الاتجاه الصراعي.
- علماء كلاسيكيين.
- علماء معاصرين أو محدثين .
3. اتجاه التفاعلية الرمزية.
- علماء كلاسيكيين.
- علماء معاصرين أو محدثين .
وإن الباحث سبق وأن تحدث عن العالم كارل ماركس وهو ممن يتبنى الاتجاه الصراعي ولكن ماركس هو من العلماء القدامى أو ما يطلق عليهم كلاسيكيين,وايضاالعالم تشارلز رايت ميلز وهو من العلماء الذين طوروا الاتجاه الصراعي وهو احد العلماء المعاصرين أو المحدثين.
وسبق وان تحدثت أيضا عن العالم دوركايم وهو ممن يتبنى الاتجاه الوظيفي ولكن دوركايم من العلماء القدامى.
في خلال البحث هذا أتحدث عن احد علماء المحدثين في الاتجاه البنائي الوظيفي وهو العالم رادكليف براون.
هذا ما أردت أن أبينه في هذه المقدمة وصلى الله وسلم على محمد وعلى اله وصحبه أجمعين.
أولا: نشأة المنظر:
راد كليف براون (1881م -1955م ) تخرج من جامعة كمبرج، ودرس على " هادن " و "رفرز "، وتأثر بدوركايم كثيراً. أضفى على مفهوم البنية الاجتماعية أهمية كبيرة في منهجه وربطها بمفهوم الوظيفة. وقد شبّه الحياة الاجتماعية بالحياة العضوية، كما يعزى له أيضاً فضل اكتشاف المضامين النظرية للنزعة الوظيفية بوصفها تمثل العلاقة بين العرف الاجتماعي والظروف الأساسية لوجود نظام اجتماعي. ويرى أن عناصر البنية الاجتماعية لها وظائف للمجتمع ككل الذي يُشار إليه بوصفه كياناً عضوياً متكاملاً، كما تكون متنمطة ضمن علاقات اجتماعية يفسرها بأنها جوانب اجتماعية تتوافق مع قواعد أو معايير اجتماعية مقبولة. وهذه القواعد هي التي تربط أفراد المجتمع بأنشطة مفيدة اجتماعياً. وقد حاول الابتعاد عن ما اسماه مالينوسكي بـ " حاجات " الكائن الاجتماعي، وتحدث بدلا من ذلك عن الشروط الضرورية للوجود لأنه كان يريد تجنب التفسيرات الغائية التي تتبنى فكرة وجود أرواح موجهة أو قوى غيبية أسطورية في الحياة الاجتماعية. وعلى الرغم من انه كان حريصا على الابتعاد عن ثنائية (السحري / الديني عند جيمس فريزر ) و ( المقدس / الدنيوي عند دوركايم ) فيما يخص الشعائر، نجده تبنى مصطلح "القيمة الشعائرية "، وعرّف الفعل الشعائري بأنه كل فعل رمزي له قيمة اجتماعية مهمة احد كبار اساتذة الانثروبلوجيا ليس في بريطانيا وحدها حيث شغل كرسي الأستاذية للانثروبلوجيا الاجتماعية بجامعة اكسفورد وإنما تولى نفس المنصب في جامعات اقطاراخرى من استراليا وافريقيا والولايات المتحدة الأمريكية, حيث استطاع إعادة صياغة اللانثروبلوجيا الاجتماعية في ضوء إطارات ومفهومات نظرية واضحة تماما,وكذلك إعادة توجيه البحث الحقلي للمجتمعات الصغيرة والبسيطة مستخدما منهجية بالغة الدقة واسهم مع ماليفونسكي في إعادة تطوير الأسس النظرية للانثروبلوجيا في ضوء التحليل السيسولوجي وتطبيق ذلك في دراسة الشعوب البدائية.
وهكذا كانت كتابات رادكليف براون ودراساته الحقلية بمثابة عرض منظم لأسس البنائية الوظيفية في الانثروبلوجيا, اعتبارها تمثل مدرسة قائمة بذاتها من مدارس الفكر الاجتماعي
له مؤلفات من ضمنها روح القانون ويقول رادكليف براون أن العلم المتميز يجب أن يكون له موضوع متميز أيضا, وميدان محدد للبحث والدراسة, وهنا يتساءل رادكليف براون ما وموضوع علم الاجتماع ؟ وأين تقع تلك الظواهر التي يدرسها هذا العلم ؟ ويجيب أن علم الاجتماع هوعلم الدراسة النظرية المقارنة لأشكال الحياة الاجتماعية وتكون الانثروبلوجيا فرعا منه يدرس هذه الصور بين الشعوب البدائية.
ثانيا :أهم النظريات التي عالجها :
تحدث براون في عدة جزئيات سوف أوردها على شكل نقاط وسأضم إليها دراساته الانثروبلوجية عن بعض المجتمعات البدائية وذلك على النحو التالي:
1. نحو علم طبيعي للمجتمع :
العلم الطبيعي في نظر براون هو البحث المنهجي في بناء الكون كما تظهره لنا الحواس ويتفرع العلم إلى عدد من العلوم الهامة المنفصلة التي يعالج كل منها فئة معينة أو نوعا معينا من الأبنية بقصد اكتشاف الخصائص المميزة لكل الأبنية المتدرجة تحت هذا النوع,من خلال ذلك اعتقد أن ثمة مكان لفرع آخر من العلم الطبيعي سوف يوجه همه إلى اكتشاف الخصائص العامة لتلك الأبنية الاجتماعية التي تتألف من الكائنات الإنسانية ولقد كان هذا العلم الذي يتحدث عن العالم براون هو علم الاجتماع المقارن والتي تعتبر الانثروبلوجيا فرعا منه (ابوطاحون,148).
2. البناء الاجتماعي عند براون :
كلمة بناء تشير بالضرورة إلى وجود نوع من التنسيق والترتيب بين الأجزاء التي تدخل في تكوين الكل الذي نسميه بناء وعلى هذا الأساس يكون للجملة بناء مكون من عبارات... وللبناية بناء وهكذا وان هناك ثمة علاقات وروابط معينة تقوم ين هذه الأجزاء التي تؤلف الكل وتجعل منه بناء متماسكا ومتميزا وبمقتضى هذا الفهم تكون الوحدات الجزئية الداخلة في تكون البناء الاجتماعي هي الأشخاص ا أعضاء المجتمع الذين يحتل منهم مركزا معينا ويؤدي دورا محددا في الحياة الاجتماعية.
فالشخص كفرد هو عبارة عن كائن عضوي بيولوجي أي مجموعة هائلة من الجزئيات التي تنتظم في بناء مركب تجري في داخله مادام حيا من أفعال وأوجاع وعمليات وتغيرات جسمية أو نفسية ومن هنا كان الإنسان كفرد يتخذ موضوعا لدراسة علماء النفس والفسيولوجيا .
أما الإنسان كشخص فانه عبارة عن مجموعة من العلاقات الاجتماعية فهو زوج وأب ويمارس مهنة وهو عضو في جماعة دينية... وهكذا.
ميز دور كايم بين نوعين من البناء هما :
- البناء الواقعي: ويقصد به البناء من حيث هو حقيقة موجودة بالفعل ويمكن ملاحظته مباشرة وهو مجموعة العلاقات القائمة فعلا بين عدد من الأشخاص في مكان معين بالذات وفي فترة محددة من الزمن.
- الصورة البنائية : أو الصورة العامة أو السوية لعلقة من العلاقات بعد تجريدها من مختلف الأحداث الجزئية ولكن دون إغفال هذه التمايزات مع ذلك.
يفرق العالم راد كليف براون بين الاستاتيكا والدنيميكا, فالاستاتيكا تهتم ببحث طبيعة حالة الأنساق التي تميز كافة الأنساق الاجتماعية أما الدينميكا فهي تدرس الصور الفعلية وتباين حالات الأنساق في العالم وأنماط النظم والتغيير, ومن ثم فان القضايا التحليلية النظرية لاستاتيكا تمثل موجها لبحوث الديناميكا الاجتماعية .
قبل ردكليف براون بالمنظور التطوري الذي صاغه سبنسر على أساس أن تطور صور الحياة الاجتماعية العضوية من البسيط إلى المركب, يمكن أن يكون بمثابة فكرة أو أداة تحليلية ذات قيمة بالغة ومن أهم مزايا هذا المنظور انه يجعلنا ننظر إلى صور العلاقات الاجتماعية بوصفها تنطوي على عمليات توافقية مع الظروف البيئية, وينطبق ذلك على الأنساق الاجتماعية , وقد فرق بين ثلاثة عمليات توافقية رئيسية هي الايكولوجية وتعني التوافق مع البيئة الطبيعية,والنظامية ويقصد بها تحقيق حالة النظام والاستقرار وأخيرا الثقافية وتشير إلى عملية التنشئة الاجتماعية للإفراد واكتساب الخلق والسلوك اللازم للنظام العام.
3. مفهوم الوظيفية:
مع أن مفهوم النظرية الوظيفية ظهر منذ وقت طويل في الكتابات الاجتماعية لرواد الاجتماع أمثال دوركايم وسبنسر وغيرهم إلى أن رادكليف براون بوجه عام قد تقبل تعريف دوركايم لوظيفة النظام الاجتماعي والتي هي : التناظر بين هذا النظام وبين حاجات الكائن العضوي الاجتماعي إلى انه يرى في نفس الوقت ضرورة إدخال بعض التعديلات أو التغييرات على ذلك التعريف حتى يمكن إزالة ما يعتريه من غموض وما يلابسه أحيانا من التأويلات ولذا يقترح براون أن تستبدل بكلمة حاجات التي يستخدمها دوركايم اصطلاح الشروط الفردية للوجود فإذا لم يكن ثمة بد من استخدام كلمة حاجات فيجب أن يفهم منها هذا المعنى وحده ويقول براون أن أية محاولة لاستخدام مفهوم الوظيفية في العلم الاجتماعي تتضمن الدعوى بان هناك شروط ضرورية لوجود الكائنات العضوية الحيوية وان في الإمكان اكتشاف هذه الشروط عن طريق البحث العلمي الملائم (ابوطاحون,148).
أن العالم راد كليف براون يأخذ الوظيفة الاجتماعية على انه نصيب النشاط الاجتماعي الجزئي في النشاط الكلي الذي يؤلف هو جزءا فيه فوظيفة أي ظاهره من الظواهر أو أي عنصر من عناصر السلوك الاجتماعي هي الذي تؤديه هذه الظاهرة في الحياة الاجتماعية التي تعبر عن النسق الاجتماعي الكلي وتصدر عنه. والمقصود بالنسق الاجتماعي الكلي هنا هو البناء الاجتماعي وكذلك كل المناشط والممارسات والعادات الاجتماعية التي ينعكس البناء فيها من ناحية ويستمد منها وجودة وكيانه من الناحية الأخرى .
4. دراسة سكان جزر الاندمان :
يمكن القول أن دراسة العالم رادكليف براون الشهيرة عن سكان جزر الاندمان هي أساس دراسة تستهدف التحقق الواقعي لافتراضات وفروض صاغها دوركايم تتعلق بمفهوم الوظيفة, ولعل أهمها أن وظيفة الطقوس هي تحقيق التضامن الاجتماعي, والإسهام ف استمرار المجتمع محافظا على بقائه وتوازنه.
يقول براون انه عندما يتصالح طرفان من سكان شمال جزر الاندمان فإنهما يقيمان احتفالا راقصا حيث ينقسم الراقصون إلى فريقين يمثل احد هذين الفريقين مشاهد العداء نحو الطرف الآخر والطرف الآخر يقبل ذالك ولا يظهرون الخوف ولا الحقد إزاء المعاملة التي يلاقونها....وأخيرا يتلاشى الغضب ويتم التكفير عن المساوئ وتنتهي العداوة.
يعلق على ذلك العالم رادكليف براون أن الغرض من الاحتفال هو إحداث تغيير في مشاعر كل طرف نحو الطرف الآخر. فمشاعر العداء يحل محلها مشاعر الصداقة والتضامن . ويعتمد اثر الاحتفالات على الغضب ومشاعر العداء تختفي عندما يتم التعبير عنها بحرية فكان الوظيفة الاجتماعية للاحتفال هو عودة حالة التضامن بين الجماعتين المحليتين, رادكليف براون يقول أن هناك عدة مناسبات محددة يتم فيها البكاء الشعائري :
- عند ما يتقابل اثنين من الأصدقاء بعد فترة زمنية طويلة من الانفصال.
- في احتفال الصلح أو السلام بعد عداء بين طرفين.
- بعد وفاة احد الأقارب أو الأصدقاء.
- في مناسبات الزواج.
- عند استعادة عظام رجل أو امرأة.
ثالثا :قدرة النظرية على تفسير الواقع:
من خلال استعراض نظرية العالم رادكليف براون نجد أنها اقرب إلى الواقع باختلاف بعض الآراء التي طرحها عن الأمور الشعائرية في دراسته الشهيرة لسكان جزيرة الاندمان.
البناء الاجتماعي الذي يتحدث عنه العالم رادكليف براون وهذا من وجهة نظري انه قريب لواقع من خلال المؤسسات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص وغيرها من المؤسسات داخل المملكة العربية السعودية نجد أنها في تكامل كلا يكمل الآخر فالدوائر الحكومية تتعامل مع المؤسسات القطاع الخاص لانجاز مشروع معين أو بناء جسر معين أو توظيف أشخاص معينين, هذا من ناحية ومن ناحية أخرى نجد أن هناك تفاهم إلى حد ما بين قطاعات الحكومة في خدمة المستفيدين أو المواطنين وعدم تعطيل معاملاتهم وهذا كله يؤدي إلى تماسك المجتمع وعد الاختلاف أو الثورة ضد مثلا أنظمة الحكومة أو معاملاتها أو غير ذلك بل يوجد تماسك داخل أنظمة الحكومة نتج عنها أداء جيد لراحة المواطن.
ولو استعرضنا الأسرة كنسق داخل هذا البناء الاجتماعي –وهذا مهم-لوجدنا أن كل القطاعات الحكومة أو غير الحكومية سخرت لخدمة هذا النسق لأنه أهم نسق من وجهة نظري والسبب في ذلك لأنه ينشي جيل متعلم متربي وفوق هذا ناضج في التعامل ولكن لدي وجهة نظر أخرى خاصة في هذا لو نظرنا إلى واقع المجتمع وحاله وحال هذا النسق الأسري –ليست نظرة تشاؤم –لوجدنا أن هناك مؤسسات تعمل على إحلال أخلاق هذا النسق الهام ومن ضمن هذه المؤسسات وزارة الإعلام والثقافة من خلال بث الأغاني والأفلام وغير ذلك وأضيف إلى ذلك ألسماح بإدخال الإطباق الفضائية الغنية عن التعريف ...!
فانا كدولة اربي على الأخلاق الفاضلة وانشي مدارس تعلم على السلوك الحسن واتفاجئ!! أني أقوم في النهاية بتعطيل هذه الأمور بأمور مضادة لها من خلال مثلا السماح بتداول الإطباق الفضائية بشكل يستقبل القنوات السيئة التي ليس هدفها رفع الأخلاق أو زيادة الثقافة بل هدفها الأساسي والموجه نحو الأسرة إلى تخريب هذا النظام وتعطيله من خلال بث كل شي يخرب الأخلاق ويعطل التفكير الايجابي الجيد ويحاولون تشجيع العنف وغير ذلك. هذا ما أردت أن أضيفة وتبقى وجهة نظر خاصة.
رابعا : أهم الانتقادات التي وجهت له :
سأتحدث بشكل عام عن جميع علماء البنائية الوظيفية حيث أنهم من وجهة نظري يكملون بعضهم البعض.
أما عن النقد فقد وجه للنظرية الوظيفية مجموعة من الانتقادات لعل أهم هذه الانتقادات هي :
- إهمالهم للصراع ولتغير الاجتماعي وتركيزها على التوازن والتكامل, واثر أيضا انتقادات حول كونها نظرية أصلا لها طابع متميز وإنما هي طريقة لتحليل النظم والظواهر الاجتماعية.
- نجد أن العالم رادكليف براون يركز اهتمامه على دراسة المجتمع أكثر من تركيزه على الحضارة نفسها.
- بعض نتائجها قامت على التخمين وذلك مثل دراسة رادكليف براون لسكان جزر الاندمان.
- لم يتفق الوظيفيون حول تحديد مفهوم الوظيفية بطريقة واضحة حيث ركز براون على الدور ومالينوفسكي على الحاجات أما بارسونز على الفعل.
وغير ذلك من مثل هذه الانتقادات التي تجعل النظرية البنائية الوظيفية في شك تطور من وقت إلى آخر والباحث يسلم بالانتقادات التي دارة حول هذه النظرية لكن من وجهة نظري إنها نظرية حققت ذيوعا وانتشارا حيث إنها تحولت إلى فكر تميز لعم الاجتماع به من جميع الاتجاهات.
الخاتمة :
في الختام سوف أقوم بتلخيص لأفكار براون من خلال التالي :
- المجتمع : هو موضوع الدراسة عنده حيث يمكن ملاحظة الظواهر وليس الحضارة كما ركز مالينوفسكي.
- المماثلة البيولوجية :هي أساس تفكير براون الوظيفي وقد وجدنا أساسها عند سبنسر(لطفي.1987م.153).
- البناء الاجتماعي : وهو عنده شبكة من العلاقات الوظيفية بين الوحدات ويعطي مماثلة بيولوجية.
- المنهج: أن تضع النظريات كفرض تحت الاختبار.
- الوظيفية: هي ما يهتم به الجزء في الكل من اجل استمرار حياة البناء الاجتماعي.
- الفرد والشخص : يفرق براون بين الفرد البيولوجي والعضوي وبين الشخص الاجتماعي.
- الوحدة الوظيفية: فالنسق عنده يعمل في إطار وحدة وظيفية تتصف بدرجة عالية من الانسجام والتماسك..
هذا و الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والتسليم.
المراجع:
1. العرابي,حكمت.(1991م).النظريات المعاصرة في علم الاجتماع. قسم الدراسات الاجتماعية . جامعة الملك سعود.
2. فرح,محمد سعيد.(1990م).تمهيد في النظرية الاجتماعية تطورها ونماذجها الكبرى.الإسكندرية. دار المعرفة الجامعية.
3. حجازي,محمد فؤاد.(1988م).النظريات الاجتماعية.القاهرة.مكتبة وهبه.
4. ابوطاحون,عدلي علي.في النظريات الاجتماعية المعاصرة.الاسكندرية.المكتب الجامعي الحديث.
5. محمد,محمد على,(1989م).تاريخ علم الاجتماع الرواد والاتجاهات المعاصرة.الاسكندرية.دار المعرفة الجامعية.
اتمنى لك الاستفادة ان شاء الله
بالتوفيق
